السيد محمد باقر الصدر
375
إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )
العشائريّة المتناقضة ، فقفز بتلك الوحدات إلى وحدة إنسانيّة كبرى ، وتسامى بالمسلمين من فكرة المجتمع القبلي الذي تحدّه حدود الدم والقرابة والجوار إلى فكرة المجتمع الذي لا يحدّه شيء من تلك الحدود ، وإنّما تحدّه القاعدة الفكريّة للإسلام . فأيّ أداة إنتاج حوّلت أولئك الذين كانت تضيق عقولهم عن فكرة المجتمع القومي ، فجعلتهم أئمّة المجتمع العالمي والدعاة إليه في فترة قصيرة ؟ ! وتحدّى الإسلام المنطق التاريخي المزعوم مرّةً ثالثة ، فيما أقام من علاقات التوزيع التي لم يكن من الممكن - في حساب الاقتصاد الاشتراكي - أن تقوم في مجتمع قبل أن يبلغ درجة من المرحلة الصناعيّة والآليّة في الإنتاج . فقلّص من دائرة الملكيّة الخاصّة ، وضيّق من مجالها ، وهذّب من مفهومها ، ووضع لها الحدود والقيود ، وفرض عليها كفالة الفقراء ، ووضع إلى جانبها الضمانات الكافية لحفظ التوازن والعدالة في التوزيع ، وسبق بذلك الشروط المادّية - في رأي الماركسيّة - لهذا النوع من العلاقات . فبينما يقول القرن الثامن عشر : « لا يجهلنَّ سوى الأبله أنّ الطبقات الدنيا يجب أن تظلّ فقيرة ، وإلّا فإنّها لن تكون مجتهدة » « 1 » . ويقول القرن التاسع عشر : « ليس للذي يولد في عالم تمّ امتلاكه حقّ في الغذاء إذا ما تعذّر عليه الظفر بوسائل عيشه عن طريق عمله أو أهله ، فهو طفيلي على المجتمع لا لزوم لوجوده ؛ إذ ليس له على خوان الطبيعة مكان ، والطبيعة تأمره بالذهاب ، ولا تتوانى في تنفيذ أمرها هذا » « 2 » ، بينما يقول العالم هذا حتّى بعد مجيء الإسلام بقرون يقول الإسلام - على ما جاء في الحديث -
--> ( 1 ) النصّ لأحد كتّاب القرن الثامن عشر ، وهو ( أرثر يونج ) . ( المؤلّف قدس سره ) ( 2 ) النصّ ل ( مالتس ) الذي عاش في بداية القرن التاسع عشر . ( المؤلّف قدس سره ) . وراجع المادّيّة التاريخيّة : 117 - 118